السيد عبد الأعلى السبزواري

201

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

فالآية الشريفة كما تشتمل على الحكم وهو النهي عن تولّي الكافرين ، تبيّن سببه أيضا ، وذلك من أعلى درجات البلاغة والفصاحة . قوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ . أي : ومن يتّخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين فليس من ولاية اللّه في شيء ، ولا نسبة له مع اللّه تعالى لزوال تلك النسبة والمحبّة بينه وبين اللّه تعالى بالموالاة مع الكافرين ، وقد قال سبحانه وتعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ [ سورة البقرة ، الآية : 257 ] . وقوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ يفيد العموم ، أي ليس عمله مرضيّا للّه تعالى ، ولا يكون جزاؤه جزاء من أحسن عملا ، ولا تشمله العنايات الخاصة والتوفيقات الإلهيّة ، ولا يدخل تحت قوله تعالى : وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ [ سورة المائدة ، الآية : 56 ] ، بل يكون حينئذ مصداقا لقوله تعالى : نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [ سورة الحشر ، الآية : 19 ] . وإنما أتى عزّ وجلّ بلفظ عام - أي ( من ) - ولم يشخّص ، وذكر لفظ ( يفعل ) ولم يذكر المؤمنين ، للإشارة إلى أنه أمر قبيح لا بد للمؤمن الإعراض عنه وأن يستنكره ويتنزّه عنه ، كما يتنزّه عن القبائح الظاهريّة ، ولذا كنّى عنها في الخطاب كما يكنّى عن القبائح ، وتنزيها للمؤمنين من أن ينسب إليهم هذا الأمر القبيح والفعل الشنيع . قوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً . استثناء عن الولاية الحقيقيّة واستدراك عمّا يتوهّم أن النهي إنما يكون عن الولاية الصورية ، أو النهي انما يكون في جميع الأحوال حتّى لو استلزم الضرر على المؤمن ، أو كان في الموالاة المصلحة . وتتقوا : والتقاة من الوقاية ، وهي المنع عمّا يوجب الأذية والحفظ عنها ، وهذه المادة كثيرة الاستعمال في القرآن بهيئات مختلفة ، قال تعالى : قُوا أَنْفُسَكُمْ